الجمعة 18 أغسطس 2017 11:12 م

أوراق حماس وأوراق العرب في مواجهة «إسرائيل»

الأربعاء 15 فبراير 2017 09:10 ص بتوقيت القدس المحتلة

أوراق حماس وأوراق العرب في مواجهة «إسرائيل»
أرسل إلى صديق

علي العتوم

من المفترض، بل المفروض أن يتصدّى لمقاومة اليهود المغتصبين لبلادنا والعمل على استعادة ما اغتصبوه، النّظامُ الرسمي العربي قبل غيره، وهو المتمثّل بالحكومات العربية، لأنّها هي التي تملك الإمكانات لهذا الأمر، ثمّ يأتي من بعدُ كلّ الأمّة بمختلف قطاعاتها ومؤسساتها، كلٌ حسب جهده وما يُتَطلّب منه . وهذا ما فعله الرّسول عليه الصّلاة والسّلام في مواجهته مع قريش، إذ أعدّ لها الجيش القوي الأمين ومن ثمّ أردفه بما أقرّه من عمل العصابات المقاتلة التي كانت تقطع عليها الطّريق، ويقودها لهذا الأمر، أبو بصير ورجاله الأشاوس، ممّا جعلها أخيراً تذعن وتستسلم .

 هذا هو المنطق السّليم في إنجاز المهمّات، أن تحمل القوّةُ الكبرى المسؤوليةَ في القضايا ذات الشأن الكبير، ومن ثمّ تستعين بالقوى ذات الإمكانيات المتواضعة . وهو ما كان يفعله سلف هذه الأمّة من صالحي حكامها . وبغير ذلك تكون المعادلة معكوسة . وهو ما ينطبق اليوم على الأنظمة العربيّة عامةً في موضوع مقاومة اليهود، إذ تخلّت عن دورها في هذا الصدد، وتركت المسؤولية على عاتق فئاتٍ من الأمّة ذات حولٍ ضئيل، بل راحت تلغي الوسيلة الكبرى في دحرهم وهي الجهاد وتقف بطريقة أو أخرى ضدّ المقاومة، بل تشجّع بصورةٍ سريّة أو علنيّة المحتلّين اليهود على المقاتلين الفلسطينيين، وهو ما ينطبق اليوم على هذه الأنظمة وموقفها من حماس بالذّات .

 وتبدو المفارقة هنا أنّ الأنطمة العربية في المحيط العالمي ملء السّمع والبصر، تملك الجيوش المؤلّلة والمقدّرات المؤثّلة والأموال المتلتلة والأرض الواسعة والحدود المحروسة والجامعة التي تأرز إليها، بينما حماس لا تملك أنّى امتلكت مع الزّمن سوى أسلحةٍ خفيفة لا سبيل لها في الإبقاء عليها أو حمايتها سوى نخوتها وبسالة حامليها، وهي بكلّ قطع غير معترف بهاٍ اعترافًا فاعلاً لا من الغرب ولا من الشّرق، إن لم يكن أكثر هؤلاء قد وضعوها على قائمة الإرهاب . أما الدّول العربية وهي التي منها حماس وإليها، فليست في الواقع معها، ولولا خشيتها من انكشاف عورتها لوضعتها بكلّ تأكيد على القائمة نفسها، مع أنّ حماس لا تتدخّل مطلقاً في الشؤون الدّاخلية لهذه البلاد، تساوقاً مع تواضعات العصر وحرصًا منها أن لا يجر ذلك إلى نزاعات أهلية .

 ولكنْ مالذي جرى في الواقع وأمام الأعين . لقد اغتُصِبت فلسطين، إذ يذيق اليهود أبناءها شتّى صنوف الأذى والعذاب ويحتلّون من ديار العرب المجاورة إضافةً إلى فلسطين أضعاف ما احتلّوه منها ويهدّدون البقايا الباقية بالاجتياح، في حين وهذا من أعجب العجائب أنّ الدّول التي عليها واجب تحرير فلسطين لا تهتم بتطوير إمكانيّاتها وتعزيز قوّاتها إلاّ أن يكون ذلك لقمع شعوبها والحفاظ على كراسي كبرائها، بل راحت هذه الدول مع الزمن خطوة تلو خطوة تهرول لعقد الصّلح مع اليهود والاعتراف لهم بما اغتصبوه، بل طفقت تستعين بالأجنبيّ ليرسل أسلحة دماره على البلاد التي تحكمها ليهلك فيها مع الإنسان الحجر والشّجر .

أمّا الفئات المقاومة في هذه الأمّة وحماس مثالٌ عليها، فقد بقيت ثابتةً على مبادئها رافضة لاغتصاب الأعداء لأراضيها حافظةً وديعة الآباء والأجداد، إذ قامت في ليل الخنوع تجمّع المخلصين من أبناء هذه الأمّة فتربّيهم على العقيدة السّليمة والإيمان العميق وتدرّبهم على استعمال السّلاح المتوفّر لمقاومة الكيان الغاصب، بادئةً بالحجر والمقلاع و المولوتوف، إلى البندقيّة و تصنيع الصّواريخ الموجهة والطّائرات دونما طيّار، وجلب العتاد من هنا وهناك مستثمرةً الظروف السّانحة، حتّى باتت اليوم في عين اليهود جيشاً منظّما لا عصابات كر وفر، وأخذت تمارس من الأعمال في الميدان ما يدل على تنامي قوّتها من حفر الأنفاق التي تصل إلى قلب الكيان المعادي واستعمال وسائل الاستطلاع، وتثبيت كاميرات المراقبة على الحدود والقيام بالمناورات العلنيّة وتطوير جمع المعلومات . أجل كلّ ذلك مع إعلانها عدم الاعتراف بـ (إسرائيل).

ومن هنا راحت هذه الـ (إسرائيل) التي تعد أعظم قوّةٍ في المنطقة سلاحاً ومالاً ودعماً دولياً تحسب لحماس أكبر حساب، بينما لا تحسب مثله أو قريبًا منه لمجموع دول العرب لأنّ حماس تنطلق من مبادئ الإسلام العظيم الذي يفرض الجهاد على الأمّة بجميع أفرادها إن داس العدوّ شبراً واحداً من أرضها، بينما أسقطت الدول العربية من قاموسها هذا الخيار، ولم تعد تلتفت للتاريخ لتأخذ منه العبرة ولا لعهد الآباء لتحترمه, وهي تعلم أن الإسلام والإسلام وحده هو الذي نصرها بالأمس على أعدائها, وهو قادر اليوم على نصرها على اليهود . ولهذه المعاني التي تنطلق منها حماس راح هؤلاء اليهود يشنون عليها الغارة تلو الغارة، ولكنْ دون أن ينالوا من عزيمتها شيئًا .

ومن هنا كذلك كانت الجبهات العربية مع الكيان الغاصب هادئة كلها ما عدا جبهة غزة حيث حماس تأبى الرّكوع، ولذا كانت هي مع غيرها من المقاومين قد أخرجت اليهود من القطاع صاغرين وطهّرته منهم قبل ما يقرب من اثنتي عشرة سنة دون أن تخنع أو تخضع على كثرة الغارات التي شنّوها عليهم بأفتك الأسلحة مع عدم نجاحهم في مبتغاهم، وبالعكس فقد استطاعت هذه المنظّمة الكريمة أن تجعل هذا الكيان المتغطرس يخضع لطلباتها بما تملكه من أوراقٍ ثمينة تتمثّل بأسر عددٍ من جنودها من على أسوار الحراسة أو من دشمهم أو من فوق دبّاباتهم كما فعلت بشاليط قبل عشر سنوات، وكما تأسر اليوم عدداً من جنودها الذين يعدّ أسرهم حرقاً لقلبها وإهانةً لكبريائها، ولذلك تسعى بكلّ جهدٍ للاتصال بمن يتوسط لها عند حماس لإطلاق سراحهم مقابل عروضٍ تقدّمها عبر هؤلاء الوسطاء، غير أنّ حماس ترفض هذه العروض قبل الحديث في قضية الأسرى، وأن يكون ذلك على المستوى المطلوب، كأن يكون مقابل إطلاق الجندي الواحد منها ما ينيّف على الألف من الأسرى العرب في سجونها .

وأقول أخيرًا : إذا كانت حماس وهي منظمة شعبية تملك من الأوراق بشأن قضية فلسطين ما يحسب له اليهود حسابًا، فأين هي أوراق الدول العربية بإمكانياتها الهائلة ؟! وإذا كان الأمر كذلك، أفليس الأجدر بقيادة هذه الأمة من يحترم دينها ويأنف من الخضوع لعدوها، وليسوا أولائك الذين يجثمون على صدرها من كبراء القوم، وهم يرون العدو يغتصب البلاد وينتهك الحرمات فلا يثيرون ساكنًا ؟!

وأقول ختامًا : هذه هي حماس إنتاج الإخوان المسلمين، وهذا فعلها المشرف، أفلا يحق لنا أن نقول – على ضوء ذلك كذلك- : هذا هو نتاجنا نحن الأخوان : مقاومةً وجهادًا، فأين إنتاجكم أيها الكبراء المتحكمون وأنتم أيتها الأحزاب المدّعون، يامن ملأتم الأجواء جعجعةً دون أن نرى منكم طحنًا ؟! ثم ألا يحق لكل مسلمٍ طاهر وعربي شهم أن يقول بعد كل هذا : لقد عرفنا الآن لماذا يُحارَب الإخوان المسلمون في العالم كله ومن القريب قبل الغريب؟! ثم يقول للآخرين المدّعين ماقاله يومًا الفرزدق لجرير :

أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا ياجرير المجامع !!

المصدر: فلسطين الآن