الجمعة 18 أغسطس 2017 12:01 م

علماء السلاطين وتشويه مفهوم تجديد الدين

السبت 11 مارس 2017 01:20 م بتوقيت القدس المحتلة

علماء السلاطين وتشويه مفهوم تجديد الدين
أرسل إلى صديق

أحمد الشيبة النعيمي

عندما تتحدث الأنظمة الغارقة في الاستبداد والفساد والتبعية عن تجديد الخطاب الديني؛ يصبح مفهوم التجديد كالعسل الذي يقع عليه الذباب، وحينها فإن المسؤولية الدينية تفرض على جميع الدعاة والمفكرين الأحرار التداعي لحماية مفهوم التجديد من محاولة الأنظمة الاستبدادية احتواء هذا المفهوم النبيل وتوظيفه في خدمة الاستبداد وتفريغه من محتواه الحقيقي. فتجديد الخطاب الديني المفروض إنما يهدف إلى تفعيل مقاصد الدين في حياة المسلمين لاستنهاض طاقاتهم المعطلة وتحرير الوعي الديني من التفسيرات الجامدة المرتبطة بملابسات تاريخية تجاوزها الزمن ويجب تجديدها لمواكبة التطورات والاحتياجات المتجددة.

ولا يهدف التجديد الحقيقي إلى زعزعة الثوابت والأصول والقواعد الأساسية، ولكنه ينطلق من هذه الثوابت لتنقية الدين من انتحال المبطلين وتأويل الجاهلين وانحرافات علماء السلاطين وتعسفات عصور المستبدين.

إن التجديد الحقيقي يهدف إلى العودة إلى المنابع الصافية الأولى انطلاقاً من قاعدة أنه لن يصلح حال هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، وبالعودة إلى المنابع الأولى تتجدد منابع الوعي الديني بالعودة إلى مرجعية عصر التنزيل في مرحلة النبوة والخلافة الراشدة، ويتحرر الوعي من تأويلات عصور التأويل والتبديل في عصور الجور والاستبداد المتعاقبة وما خلفته من موروثات جامدة وفاسدة جعلت بعض الفاسدين والمستبدين يستخدمون الدين مطية لأهدافهم في الاستئثار بالسلطة والثروة، ومصادرة الحريات والحقوق وقيم الشورى والعدالة والمساواة وإهدار كرامة الإنسان.

الشعوب تدرك بفطرتها السلمية التجديد المطلوب الذي يستقيم مع مقاصد الدين ويستجيب لحاجاتها هي وليس لحاجات المتسلطين أو أسيادهم في الخارج.

وكما تكفل الله بحفظ دينه، تكفل بأن يبعث لهذه الأمة من يجدد لها دينها كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة وكلمة "من" في لغة العرب تحتمل الفرد وتحتمل الجماعة والجماعات والمؤسسات الجماعية، والجماهير تدرك بفطرتها السليمة المفهوم الحقيقي لتجديد الدين، وتفرق بينها وبين المحاولات البائسة وللأنظمة المستبدة ومؤسساتها الدينية التقليدية لاحتواء خطاب التجديد وتدجينه لتفريغه من محتواه الحقيقي.

إن التجديد الحقيقي للخطاب الديني ينطلق من الاحتياجات الحقيقية والجادة للنهوض الحضاري بواقع المسلمين والتي تكمن في الحاجة إلى التحرر من ثقافة الاستبداد والتسلط وتفكيك المنظومة الاستبدادية وبناء أنظمة الحكم الرشيد والشورى والعدالة والشفافية، أنظمة الحقوق والحريات والمساواة، وبالتحرر من ثقافة التسلط وتفكيك أدواته ستنطلق حركة الاجتهاد الفقهي بحرية ودون أي تجيير، وبالتحرر من ثقافة الاستبداد وتفكيك أدواته يتخلص المجتمع تلقائياً من جميع الاحتقانات التي تستفيد منها جماعات العنف وتوظفها المخابرات الدولية بعد ذلك لتشويه الإسلام والسيطرة على أراضيه.

إن الحديث عن تجديد الخطاب الديني في ظل أجندة سلطوية؛ تسخر هذا الخطاب للدفاع عن ثقافة الاستبداد؛ خدمة ذهبية لجماعات العنف والتطرف التي ستستغل هذا التلاعب بالخطاب الديني لتوظيف مشاعر المسلمين ضد الأنظمة وتوظف في الوقت نفسه الاحتقانات الناتجة عن ممارسة التسلط والاستبداد والشعور بالتواطؤ الغربي مع هذه الأنظمة المستبدة المتسلطة.

إن الحاجة إلى التجديد الحقيقي والأصيل للخطاب الديني حاجة ماسة وضرورة شرعية لإنقاذ الأمة من ثقافة العبودية والتبعية واستنهاض طاقات البناء الحضاري، ولكن السلطات المستبدة والمؤسسات الدينية التقليدية عندما تتحدث عن تجديد الخطاب الديني فإنها تعني تجديد التسلط السياسي بغطاء ديني لمواجهة استحقاقات الإصلاح والتغيير.

وفي جميع الأحوال فإن وعي الشعوب في تقدم مطرد وعلى مدار التاريخ فإن الشعوب تتوجس من جميع أقوال وتأويلات علماء السلاطين وتدرك بفطرتها السلمية التجديد المطلوب الذي يستقيم مع مقاصد الدين ويستجيب لحاجاتها هي وليس لحاجات المتسلطين أو أسيادهم في الخارج.

المصدر: الجزيرة نت