الأحد 23 يوليو 2017 05:59 ص

بركة دعائك يا أمي

الأحد 16 أبريل 2017 04:23 م بتوقيت القدس المحتلة

بركة دعائك يا أمي
أرسل إلى صديق

ريم كمال عبد العال

ما زلتُ أذكُرُ ذاك الوقت الذي كنت فيه طفلة صغيرة، كيف كُنتِ تُمَشِطِين لي شعري صباحًا، يا الله كم كُنا نختلف حول شكل الضفيرة! كنتُ أُريدها ذيل حصان مرفوعًا للأعلى، لازلت أحبه مُنسَدِلًا على كتفيَّ بلا قيودٍ ولا مشابكَ شعرٍ، لو كانت مديرة المدرسة تسمحُ لي بتركه حرًا لفعلت بالتأكيد، الغريب أنك كنتِ تُصرّين على ضفيرةٍ مجدولةٍ كي تصل لمنتصف الظهر، كنتُ أتعجبُ من ذلك الإصرار، أرفضُ كل محاولات الاقناع التي تبذلينها لإرضاءي، لم أكن أعلم أنكِ تَرَينَنَي فِيْكِ، إلى أن جاء ذلك اليوم الذي رأيت فيه ألبوم الصور الخاص بكِ حين كنت طفلة صغيرة، دُهشتُ من جمالِ جَدِيْلَتَيْكِ، حينها فقط أدركت لماذا لم تيأسي من اقناعي بجمال ما تحاولين فعله، لم أكُن أعرفُ أنني مرآتُكِ الصغيرة يا أمي!

يقال بأن الواحد والعشرين من آذار هو يومك يا أمي بل عيدك إن صح التعبير! وأنا أقولُ بأن كل الأيام لكِ فليس من العدل أن يكون يومًا للتي أوصانا بها الحبيب المصطفى! قد يكون الاحتفال بهذا اليوم حرام كما يقول العلماء لكنني اعتدت على طقوس جميلة أفعلها في مثل هذا اليوم من العام، ليس ذنبي إن تعودت أن أدخر مصرفي منذ الصغر كي أحضر لك به هدية! أنتِ تعلمين كم أُحِبُكِ وتدركين جيدًا أن هذه الهدايا لا تقتصر على هذا اليوم والله خير شاهدًا، فليسامحني الرحمن إذن.

وأنت لستِ ملاكًا يا أمي، كلنا على هذه الأرض بشر نخطئ ونصيب، لكنكِ شمعتي التي أدعو الله أن يطيل لنا بعمرك، بسمتي التي لا تشرق حياتي إلا بها، الجميع يعلم أنكِ مختلفة كثيرًا عن باقي الأمهات، لا تحبين الدلع الزائد عن حده ولا الدفاع المستميت عن أطفالك حتى وإن كان الحق معهم، حنانك المغلف بكل أشكال الحزم، ثقافة الاعتذار التي زرعتها في قلوبنا قبل عقولنا، دائمًا ما تقولين لنا بأن نكون الأفضل حتى لو كان ذلك على حساب كرامتنا أحيانًا، فليس من الأدب أن نرد عليهم كان أبي يساندك دوما بترديده بأنه ليس الإحسان أن نحسن إلى من أحسن إلينا إنما الإحسان أن نحسن إلى من أساء إلينا، كنت أقبل بذلك أحيانًا وأصمت بلا رأي أحيانًا أخرى احترامًا وتقديرًا لمن ربياني صغيرًة.

مهما كبرت سأبقى أرضًا جرداء قاحلة أشتاق غيثًا غزيرًا نقيًا طاهرًا ملء فؤادك يا أمي يُغلفه الدعاء لتزهر روحي خيرًا وأملًا وعملًا وحبًا في ربيعٍ أنتِ موسمه، ببركة دعاءك يا أمي أمضي في هذه الدنيا، أحتاجك معي في كل نفسٍ أستنشقه، مع كل ذرة أكسجين تبث في رئتي الحياة، عطفًا يهون عليَّ الأوجاع والمتاعب، رضاكِ أمي يُنير لي دروب الحياة فجودي عليَّ بنبعٍ من حنان أنت مصدره وارضِ عني ليرضى عليَّ خالقَ البشرِ.

منذ نعومة اظافري و أنا أسمعُكِ تقولين لي (الله يرضى عليكِ يمّا) لم أكن على يقين وإيمان بهذا الرضى تمامًا، كنتُ أظنها جملةً عابرةً اعتدت سماعها كثيرا على لسانك كحال اسمي وطلبات المنزل، مواعيد الامتحانات، الوعود الدائمة بزيادة المصرف والمكافئات المادية والأكلات المفضلة، أُحِبُ سماعَها كل يومٍ كمعزوفةٍ موسيقيةٍ عذبة أُرهِفُ لها السمع وتَطْرُبُ أُذُنَايَ بها، حتى جاء يومٌ سبق الامتحان النهائي لمادة اللغة الانجليزية في المدرسة، كنت بالصف السادس الابتدائي، في يومِ صيفٍ حارٍ حين أصابتك ضربة شمس وأنتِ في السوق فأُغْمِيَ عليكِ وبتِ طريحةَ الفراشِ، حاولتُ أن أدرسَ فلم أُفلح في استيعاب كلمةٍ واحدةٍ من خوفي عليكِ، سهرتُ يومها عندك وبقيت بجانبك إن احتجتِ شيئًا، كان الليلُ طويلًا جدًا، ومع حلول الصباح لم يكن هناك مجالًا للتراجع، أذكر أنك دعوتي الله لي كثيرا آنذاك حتى شملتني سكينة وطمأنينة ربانية بأن كل شيء سيسير على ما يرام فلا داعي للقلق، حقا كان فضل الله عظيما بأن كانت أعلى درجة أنالها، أيقنت بعدها قُدُسِيةَ الرَّضا وبركة دعاءك يا أمي بكل جوارحي.

أراني اليوم أُشْبِهُكِ كثيرًا، أفعل كل الأشياء التي كنتِ تفعلينها، حتى ضفيرتكِ المجدولة صرتُ أحبها، أطير فرحًا حين تخبرني إحداهن أنني بت أشبهك كثيرًا، كيف لا أشبهك وأنتِ التي حملتني في بطنها تسعة أشهر، أنتِ التي أحببتني دون مقابل، تخليتِ عن الكثيرِ لأجلنا، تحملتِ الغربة في سبيل تَنْشِئَتِنَا وأشقائي في بيئةٍ سليمةٍ، كان تعليمنُا على سُلمِ الأولويات، بريقُ عينيكِ الباكيتينِ مُكللٌ بكُلِ الحُبِ والفخر يوم تخرُجِي كيف يمحوه الزمان من ذاكرتي! يوم حصاد لسنوات عمرٍ أفنَيتِ حياتكِ من أجلِ الوصول به إلى بر النجاح.

السلام والرحمة لأمهاتنا جميعا فوق الأرض وتحتها، سلام لأمي الغائبة الحاضرة، سلام لروح تعانق روحي في غيابها وحضورها في فرحها وحزنها، أشتاقك كثيرا، لغاية في نفس يعقوب أكتب هذه الكلمات، أعلم أنك لن تقرأيها، لأنك تكفرين بكل هذا الفضاء الالكتروني، بشراك أمي أينما حللتِ، لو كنت أسوأ نساء الأرض ما هنت، ستظلين في عيني جمالًا لا يبيد، ف ياء الملكية يا أمي تمتلكني لأصل ببرك إلى الجنان فكل عامٍ وأنتِ بخيرٍ