الجمعة 18 أغسطس 2017 03:29 م

الداعية السحّيج الذي ينكر عذاب القبر والضمير

الثلاثاء 13 يونيو 2017 09:22 ص بتوقيت القدس المحتلة

الداعية السحّيج الذي ينكر عذاب القبر والضمير
أرسل إلى صديق

ساري عرابي

ولكن التسحيج في دارجتنا نحن الفلسطينيين، في أصله لا علاقة له بعضّ الحمير أو جريها، ليس فقط لأن الحاء في السحّيج مشدّده بخلاف ما عليه في لسان العرب، ولكن لأن أصل استخدامه في دارجة الفلسطينيين الجارية رديف لفعل التصفيق، ولكنه إذ صار صفة لأحدهم، وقد أطلق عليه سحّيج، فإنما يراد بذلك وصفه بالمبالغة في التصفيق لمرغوب أو مرهوب، وبكلمة أخرى، فإن التسحيج مبالغة فجة في التزلف، تخالف غالبًا الحسّ والعقل، ويحار البشر في تفسيرها، ومن هذه الجهة فإنها قد تجد في لسان العرب ما يعزز مقصدها!

لنضرب أمثلة تبين متى يقول الفلسطينيون عن أحدهم "سحّيجًا".

يقول مسؤول فلسطيني إنه لا نقاش في كون حائط البراق، (الحائط الغربي للمسجد الأقصى) سيظل مكانًا مقدّسًا لليهود وتحت سيادتهم. ثم تقول معقبة على ذلك وكالة أنباء فلسطينية، إن مقالة المسؤول الفلسطيني إعجاز سياسي في إحراج العدو وإحراز الكرات في مرماه. وهي لا تسخر طبعًا. التسحيج هو الغوص إلى هذه الدركة من فحش النفاق!

مثلاً؛ كل ما أُطلق على عبد الفتاح السيسي من صفات التبجيل، يندرج مباشرة تحت عنوان "التسحيج"، دون أن نحتاج إلى استدعاء ما أطلق عليه، ذلك لأن الأمر بات معلومًا بالضرورة، بما يغني عن الاستدلال!

مثلاً؛ أن يقول داعية في قناة فضائية خليجية، إن دولة الإمارات العربية المتحدة هي الدولة النموذج في حقوق الإنسان! أول ما يتبادر إلى الذهن إذا ما ذكرت حقوق الإنسان، الدولة التي تقيم فيها العدالة الناجزة. الحق أن هذه تسحيجة قوية تجدر بها وقفة طويلة!

بعدها بأيام فقط تنشب أزمة بين الإمارات والسعودية من جهة، وقطر من الجهة الأخرى، تُصدر فيها الإمارات قرارًا بسجن كل من يتعاطف مع قطر من 3 إلى 15 سنة، وتغريمه نصف مليون درهم. سلوك تتبتل به في محراب حقوق الإنسان، تمامًا كسحب الجنسيات ونفي المواطنين وإهدار آدميتهم في السجون وتخريب بلدان العرب والمسلمين وتحطيم آمالهم في الحرية والكرامة!

هل يؤثّر هذا في السحّيج؟! بالتأكيد لا، فأول ما ينبغي أن يتوفّر للسحّيج هو الجرأة الوقحة! فقد عاد ليقول إن الإمارات تعمّر الخرب! نعم لقد عمّرت مصر بآلاف المقتولين والمسجونين، وعمّرت ليبيا بقذائف خليفة حفتر.. بينما خصومها يخرّبون العامر.. وهكذا جعل كل من خالفه أو انتقده أو استعظم تسحيجته في سلّة واحدة.. كلّهم مخربون! على طريقة قوائم الإرهاب التي أصدرها باسطو الموائد الجدد!

بعد ذلك بقليل يُصدر التحالف المحاصِر لقطر، وفي صدارته الإمارات، قائمة تَجعل الشيخ القرضاوي هو وآخرين -أشخاصًا وكيانات- في عداد الإرهابيين. الشيخ القرضاوي هو نفسه الذي سبق للسحّيج أن قال عنه "أكبر شيخ في العالم الإسلامي معاد للصهيونية"، وللمفارقة فإن الحجة المعلنة في إعلام الإمارات والسعودية لتصنيف القرضاوي إرهابيًّا هي فتواه المبيحة -في حينه- للعمليات الاستشهادية داخل فلسطين المحتلة!

ما علاقة عذاب القبر بذلك!؟

في لقاء مع قناة الميادين المساندة للنظام السوري يقول السحّيج في العام 2014: " كان لي موقف مختلف من الثورة السورية أنا لم أؤيد هذه الثورة من أول يوم"

علاقته أن السحّيج في السياسة هو ذاته ذلك الذي في علوم الشريعة وقضايا التراث ومسائل التاريخ التي أراد نبشها، إنارة للعقل، واجتثاثًا لجذور الاستبداد، وكيًّا للجروح المتقيحة في تاريخنا وضمائرنا!! لقد أحيا السحّيج الحسين وقتل معاوية عشرات المرات، وقذف السحّيج أعداءه الأمويين القابعين في طيّات التاريخ.. قذفهم في أعراضهم.. كي نسبّح أخيرًا بحمد حكام واحدة من الدول التي كان يهجوها جملة حتى وقت غير بعيد.. ليس ثمة أي تناقض!

نعم ليس ثمة أي تناقض، فالأمر ليس إخفاقًا من داعية أو شيخ أو خطيب منبري في حقل السياسة؛ كما هو شأن كثير من الدعاة والمشايخ إذ ينزلقون في ذلك الحقل كلما انزلقوا إليه، وإنما هو منهج طريقته التناقض غير المبالي، وهاكم عذاب القبر مثالاً من بين عشرات التناقضات التي لا يمكن تفسيرها كما يستحيل حصرها.

وغايتنا هنا ليست مناقشة هذه الموضوعة، وإنما الاستدلال بها على جرأة السحّيج في الاستخفاف بجمهوره الذي يسحّج له كيفما اتفق! ثم نسحب ذلك إلى حقل السياسة لنرى إن كان الأمر اضطرابًا في ذلك الحقل فحسب، أم هي جبلة الرجل وطبعه وهواه!

استمعت له وهو يسخر من الاعتقاد بعذاب القبر، وبالضرورة يردّ الأحاديث التي جاءت به، وينكر على من كفّر منكره. ينكر بطريقته المسرحية الدرامية، التي تعظّم ما شاءت وتصغّر ما شاءت، وتخشع وتخضع إذا أرادت أن تذكّر بالأخلاق، وتفحش وتنتفش إذا أرادت أن تحطّم المخالفين أو طواحين الهواء أو تراب الأقدمين وعظامهم!

ثم إنني وجدت له سلسلة محاضرات في أصول الفقه، يقول في إحداها بعذاب القبر، ويقول إن الأحاديث التي جاءت فيه متواترة، توجب العلم والعمل بما يكفّر جاحدها، إذ إن من البديهي والمنطقي أن يُكفَّر منكر اليقيني، كما يقول هو، بالحرف تقريبًا!

لا بأس. يغير النّاس آراءهم ومعتقداتهم، ويرجعون عن كثير مما كانوا يرون، لكن ألا يجدر بالمرء إذا ترك ما كان يقول به ويدعو إليه، أن يبيّن تراجعه؟! لاسيما وأن في الأمر مسائل كبار، كالموقف من السنّة وبعض مسائل العقائد؟! ثم ألا يجدر بالمرء وإذ كفّ عن شيء كان يقول به أن يتواضع إذا غير مقالته، فلا يسخر ولا يصغّر ولا يسفّه من لم يزل يقول بها؟!

الطريف أن صاحبنا، له محاضرة أخرى، يثبت فيها عذاب القبر، ويصحح أحاديثها، وينسب حديثًا ضعيفًا للبخاري مؤكدًا أنه في البخاري وهو ليس فيه، أي حديث رؤية عبد الله بن عمر لعذاب أبي جهل في القبر، وغايته من ذلك أن يستدل بقول النبي كما في الحديث الذي في مسند أحمد "ولولا تمزّع قلوبكم أو تزيدكم في الحديث، لسمعتم ما أسمع"، وصاحبنا يزعم لنفسه الكرامات، الكرامات التي تُمنح لمن يجمع قلبه على الله، فيمكنه أن يسمع ويرى عذاب القبر!

صاحبنا ينكر ما يثبت، ويثبت ما ينكر، والأداء المسرحي مستمر..

هل الأمر كذلك في السياسة؟! نعم تمامًا.. وامتناعًا عن الإطالة أكتفي بمثال واحد، هو الثورة السورية.

إن كان الكذب قد صار نسبيًّا ووجهة نظر؛ فإنّ تغيّر الخطاب بحسب القناة والمستضيف والراعي ممارسة تسحيجية بلا شك

في لقاء مع قناة الميادين المساندة للنظام السوري يقول السحّيج في العام 2014: " كان لي موقف مختلف من الثورة السورية أنا لم أؤيد هذه الثورة من أول يوم"، فهل نسي أنه قال عن الثورة ذاتها في لقاء مع قناة الجزيرة في العام 2012: "اسأل الله أن تنتهي إلى نهاية تشرف وتفرح العرب والمسلمين.. أن يسقط هذا النظام الظالم المجرم المتوحش.. وجب قتاله [أي النظام السوري] وليس فقط يجوز.. بعد أن خاض في دماء المسلمين بهذه الطريقة الوحشية.. أتعجب من إصرارهم [المشايخ والدعاة الواقفين مع النظام] إلى اللحظة أن يقفوا هذا الموقف.."

لن أصف هذا المثال من التناقض، ولكنه بالتأكيد ليس تناقض العظماء الذي ينسب صاحبنا نفسه إليه مفاخرًا بنفسه حاطًّا من خصومه، وليس من نمط التراجع عن المواقف الذي قد نفعله كلنا، وإن كان الكذب قد صار نسبيًّا ووجهة نظر؛ فإنّ تغيّر الخطاب بحسب القناة والمستضيف والراعي ممارسة تسحيجية بلا شك.. فينتقل السحّيج من ثوري إلى محافظ، ومن شعبوي إلى حكومي، ويكبت هواه الشيعي، ويتنكر لإسلامويته القريبة، ما دامت الموائد الإماراتية والسعودية قد بسطت..

هذه مجرد أمثلة في حقلي الفكر والسياسة تكشف طريقة صاحبنا في تناول كل أمر، وذلك لأنه، كما يبدو، ينكر عذاب الضمير أيضًا!

المصدر: فلسطين الآن