الثلاثاء 24 أكتوبر 2017 01:35 ص

دخان دخان

الأحد 06 أغسطس 2017 12:23 م بتوقيت القدس المحتلة

دخان دخان
أرسل إلى صديق

علي ديبة

هل هناك علاقة ما بين دخان التبغ وهرطقات السياسة؟ سؤال سألته لنفسي بينما كنت أنفث من فمي دخاناً، لا تنفثه سيرفيسات تسير من غير عوادم، وتلوث فضاء المدن بنواتج حمضية وكبريتية تصلح لإبادة البعوض والقوارض، كما تصلح في إسكات مرضى الربو المزمن وإلى الأبد..وأنا لا أسعى إلى بحث في مشكلة التلوث البيئي، إذ لا يهمني إن صارت ألوان الأشجار الخضراء مائلة إلى السواد، وصار عصفور الدوري يشبه فرخ غراب أصابته حمى الأنفلونزا، ما يهمني الآن هذا الدخان الذي أملأ صدري به, ونصيحة أقدمها لكل المصابين أمثالي بهذا الوجع.

في كل محفل ومكان وملتقى نرى أحد ما يرفع من جيبه علبة تبغ من تلك العلب الأجنبية تباهياً بترف هو فيه، واستهزاء بمن يمرر بين أصابعه سيجارة وطنية ويسحبها خجلاً، ويكبر التحدي كلما ترك موظف أو تاجر علبة سجائره الأجنبية واقفة بوجه من يجلس أمامه، أو كلما أظهرها متحدث في كفه وراح يلوح بها إمعاناً منه وفخراً بدعاية تنتمي إليها سيجارته، ولعله ظن نفسه في حال من أحوال التضخم الشوفوني أنه واحد من رعاة الغرب الذين لا يحرقون ولا يغرقون..أو هذا الرياضي الصلب الذي لا يتعبه التدخين، فيقفز على الزانه قفزة عالية ممطوطة ليلتقط سيجارة بطول زانته.. وآخر يتجاوز محيطات سماوية من الزرقة ليسقط فوق زحافة تزلج تسابق حوتا ًينفث دخانا ًملوثاً بدل الماء النقي المالح..ويشبه حال المغترّين بمثل هذا الرياء والنفاق المعلنين حال ذاك الديك الذي أطربه مديح الثعلب، حتى إذا أغمض عينيه طرباً انقض عليه بأنياب تشبه نيكوتين التبغ في صورة من الصور..

قبل زمن يسير أغراني واحد من الأصدقاء، أهداني صندوقاً من هذه العلب المستوردة، فعلت كما يفعل سواي، وربما أكثر من ذلك، صارت سيجارتي الرفيعة المميزة جداً مدار سؤال واستفسار عن مصدرها، وما أكثر الأصدقاء الذين سعوا إلى تجربتها، وأثنوا على مذاقها تمهيداً للسطو على عدد أكبر من السجائر، بل إن بعضهم اجترأ وطلب مني علبة كاملة، ومنهم من ادعى أنه يسعى إلى بياض وجه مع زوجته أو صديقته. مسألة مهمة لفتت انتباهي، لسنوات وأنا أدخن ماركة وطنية عريقة هي الحمراء القصيرة، الله لا يقصر عمر الأحبة، لسنوات لم تتضجر منها زوجتي، ولم تؤثر تأثراً ظاهراً على صحة الأولاد، الذي حصل يا سادة مع دخان هذا الصندوق المستورد المميز أن زوجتي طالبتني بالعودة إلى دخاني القديم، وأولادي ظهرت عليهم أعراض تنفسية لم تكن بالحسبان، لم تنفع معهم لعبة سياسية ألعبها، ولا دبلوماسية تسطو على ثروتهم من الصحة والعافية.

ولأن السياسة لم تعد فن الممكن في ثقافة هذا العالم، بقدر ما آلت إلى شركات وشراكات تتقاسم ثروات الشعوب، بعد دبلجة وتدميج مونتاجات وسيناريوهات لا تقل عن إعلانات التبغ خداعاً ونفاقاً، وكيف ننسى الدخان الذي ركبته كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وشركات النفط، وما أطلقه منافقو السياسة جورج بوش وكولن باول ورامسفيلد، وحتى الوكالة الدولية للطاقة هي الأخرى مازالت تراوغ هنا وهناك ناسية أو متناسية مقتل وتشويه أكثر من مليوني عربي عراقي لأجل كذبة معلنة لم تؤلب صنّاع الضمير، أو تحرك محاكم الجنايات الدولية المخدرة بنيكوتين المال.. وسبحان مغيّر الأحوال من حالٍ إلى حال، اليوم وبفعل دخان مركب جديد أعلن عنه حديثاً استيقظت حمية هؤلاء الساسة، هاهم يهرعون لعقد اجتماعات سياسية دولية، وملتقيات مدنية وحقوقية للزود والدفاع عن حقوق الشعوب العربية.. فهل من سيجارة وطنية حسنة لوجه الله..

المصدر: فلسطين الآن