الإثنين 21 أغسطس 2017 01:02 م

الشيخ البدعة.. محمد أبو طير!

الثلاثاء 08 أغسطس 2017 09:07 ص بتوقيت القدس المحتلة

الشيخ البدعة.. محمد أبو طير!
أرسل إلى صديق

ساري عربي

اعتقل ليلة الجمعة الماضية 4 آب/ أغسطس الشيخ محمد أبو طير بعد شهرين على خروجه من آخر اعتقال له. وأرجو المعذرة؛ فلست أدري كم قضى في اعتقاله الأخير. والحقّ أن هذا ليس مهمًّا، أو بتعبير أدقّ؛ لم يعد مهمًّا في حالة الشيخ محمد تحديدًا، في حالة ذلك الرجل الذي قضى من عمره في السجون خمسة وثلاثين عامًّا متفرقة على عدد من الاعتقالات بدأت من العام 1974.

الشيخ محمد من قرية أم طوبا بالقدس، وارتبط بقريتنا (قرية رافات من ضواحي القدس، وهي غير بلد الشهيد يحيى عياش التي تحمل الاسم نفسه)، بل ارتبط بعشيرتي فيها، بعلاقة نسب ومصاهرة، وقد طرق ذلك الأمر سمعي بذكر الشيخ كثيرًا منذ مهاد طفولتي، واقترن اسمه في وعيي المبكر، بمفردات تعرّفت إليها فيما بعد، فأخذتني واعتجنتني مراهقًا وشابًّا، وبتّ أنكر ذاتي دونها. وحينما اعتُقلت اعتقالي الأول، كان الشيخ قد قضى في السجون أكثر من ثمانية عشر عامًا، هي أكثر من عمري الزمني بقليل حين ذلك الاعتقال، ثم أضاف بعد ذلك ثمانية عشر عامًا أخرى -تقريبًا- في السجن فوق تلك الأولى، ليكون عمره في السجن من عمري الزمنيّ تقريبًا.

نادرًا ما صلّيت خلف الشيخ، أو استمعت لخطبه، فلم يجمعني به سجن واحد، وجمعتني به لقاءات قليلة خارج السجن، وقرأت مخطوطة مذكراته الموسومة بـ"سيدي عمر"، والتي يُفترض أن تصدر عن مركز الزيتونة ببيروت قريبًا، وهي من تحرير الصديق بلال شلش، ويمكن اعتبار ذكرياته مجرّدة عن آرائه وتعقيباته، قطعة نفيسة من التاريخ، أو لسانًا ناطقًا له، وكأنّ قسطًا وافرًا من تاريخ الفلسطينيين، والقسط الأكبر من كفاحهم المعاصر يتجسد في شخص هذا الرجل ومساراته الحيّة.

الشيخ الذي تخرج في ثانوية الأقصى الشرعية، عمل إمامًا وخطيبًا لمسجد قرية الجيب، وهي واحدة من قرى ضواحي القدس، وبدأ بمبادرة فرديّة منه بتشكيل مجموعة مقاومة محليّة في قريته في العام 1967، ثم سافر إلى سوريا ولبنان ليلتحق بحركة فتح عام 1972، وليكون اسم "طارق بن زياد" اسمًا حركيًّا له، وتكررت زياراته إلى هذين البلدين، واعتقل في العام 1974، وأسس داخل سجن الرملة في العام 1976/1977 الجماعة الإسلامية، التي شكّلت داخل سجون الاحتلال الإطار الحاضن للفيف الإسلاميين، قبل تأسيس حركتي حماس والجهاد الإسلامي.

بتأسيسه الجماعة الإسلامية، متأثرًا بكتاب "معالم في الطريق" لسيد قطب، ومُواجهًا الحصار الذي فرضته فصائل منظمة التحرير على قِلّة المتدينين حينها في السجون، وكانت الماركسية إذ ذاك قد غلبت على تلك الفصائل، بما في ذلك فتح؛ يكون الشيخ قد خرج من فتح في طريقه إلى حماس، ذروة علاقته بالإخوان المسلمين الذين بايعهم في السجن، أثناء وجوده في الجماعة الإسلامية ناظمة نثر الإسلاميين المؤقتة.

الشيخ الذي ولد في العام 1951، قضى أكثر من نصف عمره حرفيًّا في السجون، والآن وبعد 45 عامًا على التحاقه بالثورة الفلسطينية يدخل السجن مجدَّدًا

خرج الشيخ من اعتقاله الأول في العام 1985، في التبادل الشهير الذي قادته الجبهة الشعبية- القيادة العامة، وساهم الشيخ في إنفاذه من داخل السجن، مُفوَّضًا من الجبهة وضمن لجنة من المعتقلين كان هو على رأسها، وبالتعاون مع الصليب الأحمر، وفي ذلك التبادل خرج الشيخ أحمد ياسين من اعتقاله الأول الذي تعرّف فيه إلى الشيخ محمد أبو طير.

بعد ذلك، لن أذكر شيئًا من اعتقالات الشيخ الكثيرة والطويلة، ولكن ينبغي عليّ القول إنه كان واحدًا من مؤسسي العمل الجهادي المسلح لحماس في الضفة الغربية مطلع تسعينيات القرن الماضي إلى جانب الشيخ صالح العاروري والشهيد عادل عوض الله، وواحدًا من مستأنفيه إلى جانب عادل عوض الله أيضًا في أواسط تسعينيات ذلك القرن، وقد حمل حينها الاسم الحركيّ "عمر المختار".

أمّا وأن الشيخ قد أصبح نائبًا في المجلس التشريعي عن حركة حماس في العام 2006؛ فإنه بذلك لم يَحِد عن مساره الوعر الواصل، ولم يضف لحياته إلا مزيدًا من السجون!

الشيخ الذي ولد في العام 1951، قضى أكثر من نصف عمره حرفيًّا في السجون، والآن وبعد 45 عامًا على التحاقه بالثورة الفلسطينية يدخل السجن مجدَّدًا، وفي مسامات جلده، وتضاعيف وجهه، وعروق يديه؛ حكاياتنا كلها، يحملها معه كلما دخل السجن أو خرج منه.. إنّه نحن، أو هو أحسن ما نكون عليه نحن؛ عنادنا، وإصرارنا، وثباتنا، وصمودنا، وطرقاتنا اللاحبة، ولحم تاريخنا، ووجه جهادنا.. الرجل الذي إن تعب فتعبه إلى القضية التي دلف إليها ولم يخرج منها منذ أن كان في السادسة عشرة من عمره؛ فقوّته لقضيته وفيها، وتعبه لها وفيها، وكأنّه التجسيد الحيّ لقوله صلّى الله عليه وسلم: "لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةٌ، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ، فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّتِي، فَقَدْ أَفْلَحَ، وَمَنْ كَانَتْ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ".

شيخنا الذي لا ينسى الرجال، ويحفظ رفاق دربه واحدًا واحدًا، ويحفظ أحسن ما فيهم، جدير بأكثر من هذه الكلمات؛ ذلك لأنه بدعة في الرجال، بدعة في المشايخ، ونعم البدعة هو، إذ كانت بدعته دائمًا فلاحًا، وحجّة لله على عباده، وبلاغًا قائمًا يؤنس السائر، ويعظ القاعد، ويمنح الحياة شيئًا من التوازن.

المصدر: فلسطين الآن