الإثنين 11 ديسمبر 2017 07:39 ص

رغم المنغصات..

بدو القدس.. صمود في وجه التهجير والتجهيل

الإثنين 18 سبتمبر 2017 09:17 ص بتوقيت القدس المحتلة

بدو القدس.. صمود في وجه التهجير والتجهيل
أرسل إلى صديق

خاص - فلسطين الآن

على رؤوس الجبال المحيطة بالقدس، تَوَزع بدو بئر السبع الذين تهجروا من أراضيهم بعد رفضهم الخدمة العسكرية في جيش الاحتلال الإسرائيلي، 46 تجمعا بدويا توزعوا على مدار أكثر من ستين عاما وهم يتنقلون بين أودية لا يعرفها أي من الفلسطينيين، يرتحلون منذ زمن بين قمة وواد، فأصبحت كلها مأوى مؤقتا لهم حتى يحين وقت العودة إلى السبع، تجمعوا من ثلاث قبائل بدوية وهي الجهالين والكعابنة والرشايدة.

يستهدف الاحتلال هؤلاء الفلسطينيين منذ زمن، ويحاول نقل أكبر عدد ممكن منهم إلى مناطق مؤقتة يختارها بما ينساب ومخطط E1 والمعروف باسم مخطط القدس الكبرى، والذي يهدف إلى السيطرة على المناطق التي لجأ إليها البدو وضمها إلى الأراضي المُخطط أن تكون ضمن مشروع القدس الكبرى.

حياة صعبة

لم ينسَ الاحتلال ما فعله أجداد هؤلاء البدو عندما رفضوا الانصياع والالتزام ببدلة عسكرية احتلالية، فاستهدفوا شبانهم وشُيّابهم بتدمير أسباب رزقهم، والحد من المقدرات المتاحة لهم، وسلبهم شكل حياة البداوة بالتدريج كمنعهم من الرعي في الأراضي المحيطة بهم، أو قطع موارد المياه عنهم، فتحولوا من أغنياء إلى فقراء تُحكى قصصهم.

ويعيش البدو في تلك المنطقة في 46 تجمعا بدويا، وأحيطوا على مر السنين بالمستوطنات الإسرائيلية، أكبرها مستوطنة "معاليه أدوميم" والتي تشكل خطة تمددها وانضمامها إلى مشروع القدس الكبرى أكبر خطر على بقائهم في مهجرهم، حيث يسعى الاحتلال إلى السيطرة على أكثر من 12 ألف دونم من أراضيهم.

ويقول يوسف الجهالين، وهو عشريني عاطل عن العمل: "نعيش هنا دون سيولة، معظمنا عمال لا علم لنا ولا مهنة، وتتركز أسباب رزقنا في هذه الجبال بما تبقى معنا من رؤوس أغنام، أما من لم يبقى لديه فعليه الانتقال إلى وسيلة أخرى، ولكننا كلنا نعاني من انعدام كل شيء، هي أراض صفراء قاحلة، لا ماء ولا كلأ كما يقال، ولكننا مرتبطون فيها وجدانيا إلى حد لا يمكن تصوره".

حالة الفقر تبدو واضحة على الأكشاك التي يسكنوها، هي جدران مبينة من بقايا أخشاب وكأن سكانها من عصر مضى لم يعرفوا الجدران المبنية بعد، فالاحتلال يمنع بناء عِشة من بقايا أخشاب باعتبارها منشئا مخالفا للقانون، زيارات عدة تعكس نفس الحالة، ومشاهد لا ترى إلا هناك، ترى وفودا أجنبية تجري دراسات عليهم، تجمع عليها ما لا يقل عن عشرة أطفال لاختطاف بعض حبات الحلوى حرموا منها لقلة الحيلة المالية، ولانعدام مصادر الرزق.

مسيرة تعليمية متعطلة

أما على ميسرة الشارع تجمع آخر، يتكدس فيه الشبان طوال النهار داخل الخيم، فحالة الجهل التي عاشوها على مدار سنوات حصرت أسباب رزقهم بالمواشي، ومع استمرار استهداف الاحتلال لهم، كبُر جيل كامل غير متعلم وغير مسلح بمهارات كسب الرزق، واقتصر عملهم الخارجي خلال السنوات العشر الأخيرة على العمالة في مزارع نخل المستوطنين لمدة لا تزيد عن عشرين يوم سنويا، مقابل أجور زهيدة لا تتجاوز الـ80 شيقل إسرائيلي يوميا.

يعيشُ في هذا التجمعِ خمسةٌ وعشرونَ شاباً كلُهم أربابُ أُسر، اعتادوا العيشَ من خيرِ أغنامِهم، إلا أن حالةَ الجفافِ كانت سبباً في نفوقِ مواشيهِم، ناهيكَ عن تحديدِ مِساحاتِ الرعيِ من الاحتلال.

ويلفت عودة موسى أحد أبناء عرب الجهالين "أنا لم أعمل منذ سنتين، ولي خمس أبناء، أحدهم تجاوز الأربع سنين من عمره ولم ينطق بكلمة واحدة، ندعوا الله أن ينطلق لسانه يوما، لا نملك من المال ما يكفينا للعيش، ولا نملك ما يكفينا للعلاج، بانقطاع المراعي أصبحنا كالجمادات الملقاة في وسط الصحراء، لا يهتم أحد بنا ولا بأبنائنا".

ويضيف موسى: "نقضي اليوم هنا طوال اليوم، لا عمل لنا ولا تصاريح، وأبنائنا ورثوا مشاكلنا فحتى المدارس في هذه المنطقة محددة إلى صف معين، ولا قدرة مالية لدينا لابتعاث أبنائنا إلى مدارس تحتاج إلى مواصلات".

أما منطقة جبل البابا، استهدف الاحتلال مؤخرا خيمة أقامها السكان لتعليم أطفالهم مرحلة رياض الأطفال الموجودة بأقل، أكثر من 25 طفلا فقدوا هذه الفسحة البسيطة من رغد العيش، بعد أن هاجمها عدد كبير من قوات الاحتلال وهدموها.

إلا أن هذه الهجمات شكلت هاجسا لدى بعض النشطاء من البدو، فقرروا اللجوء إلى الدبلوماسية، فراسلوا عددا كبيرا من الحقوقيين في العالم وشرحوا لهم ضراوة ما يحدث.

ويقول المتحدث باسم أهالي بدو جبل البابا عطا الله مزارعة: "أنا سأتوجه إلى كل الحكومات من خلال مؤسساتهم الحقوقية، هم يسعون إلى تهجيرنا ونحن نرفض الخروج منها إلا عائدين إلى أراضينا الأصلية في بئر السبع".

ويضيف مزارعة: "الهجوم كان كبيرا، وكأنهم آتين لهدم ترسانة حربية لا روضة أطفال، حاربونا سابقا وحاربوا آبائنا، وتمكنوا من توريثنا الجهل، ولكننا لن نقبل أن يرث أبنائنا هذا الجهل".

هي معركة البقاء التي لا تنتهي لدى الفلسطينيين، تُمثل هذه الشريحة قصص بقاء فرسانها مُنوعة أجيالهم يرفضون التمدن وترك الخيام، متمسكين بأصولهم البدوية على مر الأجيال فشكلوا لوحة صمود تُدرس في كتب المقاومة الفلسطينية.

المصدر: فلسطين الآن