الجمعة 20 أكتوبر 2017 10:49 م

مع أنه يصلي!!!

الأربعاء 20 سبتمبر 2017 09:14 ص بتوقيت القدس المحتلة

مع أنه يصلي!!!
أرسل إلى صديق

ديمة طارق طهبوب

الحمد لله أني كنت من جيل تربى أن الصلاة حياة ومنهاج وما بعدها هين إذا صلحت، وما بعدها عمار إذا فسدت، وأنها ميزان الإنسان ومقياس النجاح ومستراح الروح وشاحن الهمة وجلاء البصيرة ومنطلق العمل والنجاح، صلاة تجمع المرء برب السماء لينقيه ويعينه على عمارة الأرض، إعادة إنتاج وتوجيه للبوصلة والرؤية خمس مرات في اليوم.

وظل ردحاً من الزمن ذلك الاطمئنان كما يجب له أن يكون إلى كل من يصلي في أمانته و عهده و كلامه و عمله فالمتصل بربه حق الاتصال و المقيم للصلاة حق الإقامة سيكون مثالا تكتب فيه الكتب و قدوة يضرب فيها المثل على كل حسن و سلامة فطرة.

وكان هذا الفقه التكاملي الحياتي في العبادة و ليس في الصلاة فقط هو فقه الأولين فقال سعيد بن المسيب: «ليست العبادة بكثرة الصلاة و لا الصوم إنما العبادة الورع عن محارم الله»، وقال عمر الفاروق: «لا يغرنكم من قرأ القرآن ولكن انظروا من يعمل به»، ووصف أبو بكر الاجري صفات حامل القرآن فقال: «ليس همته متى أختم السورة، همته متى أستغني بالله، متى أفقه ما أتلو ومتى أخلص عملي»، 

حتى ظهرت تلك العلمانية الدينية التي تفصل بين العبادات و السلوك والتي نزعت روح العبادة من العبادة و تطبيقاتها في واقع الحياة فغدت مجموعة من الحركات و الكلمات تقضى على عجل و بتثاقل و قد تترك أو تنسى أو تؤجل لأقل عرض، عبادة متكلفة لا انسيابا من ذات الإنسان يستحضره في كل وقت متجاوزا «زمكان» إقامته ليكون كل زمان ومكان هو محراب صلاة دائمة.

غاب فقه الصلاة وروحها عن المؤدين فصرنا نرى كل الانحرافات السلوكية في البعض ثم نراهم «يطجون» بعض الركعات لا يسقطون بها فرضاً ولا يكسبون أجراً بل يشوِّهون الصلاة ورمزيتها في نفوس الناس!!

كم كنت أُسر بالجموع المصلية والأفراد المصلين، بتاجر يصلي، بسياسي يصلي، بمعلم يصلي، بمفكر يصلي حتى رأيت ذلك الفصام النكد ما بين صلاتهم وأفكارهم و أخلاقهم! كيف لم يعلق بهم شيء من طهر الصلاة، من الدعاء والمناجاة، من خطاب القرآن؟!؟! أيرد المرء نبعاً صافياً و يعود بلا قطرة ارتواء؟!

وعلى هذا يعلق الدكتور أحمد خيري العمري في كتابه «كيمياء الصلاة» مستنكراً: «كان من المؤلم جداً أن الناس لا يصلون ولكنه كان من المؤلم أكثر أنهم إذا صلوا ربما لا يتغيرون».  

ظل عندي ذلك الاندهاش الطفولي كلما رأيت من يصلون ويرتكبون الكبائر، من يصلون ويظلمون، من يكبرون لله في الصلاة و يكبرون بحمد ظالم أو طاغية في الحياة وظل ذلك الاستهجان البريء «مع أنه يصلي!!!»  

مؤلمة هي الدروس في الكبر ومؤلم هو بعض النضج عند السرور بالبراءة و مؤلم هو اختبار المبادئ بعد عمر من الراحة في رغد تطبيقها ومؤلمة هي غربة العيش بين المخالفين بعد أنس العيش مع الصحبة ومؤلمة هي غربة الصلاة بين مؤديها و مؤلم هو انفصال الدين عن حياة المؤمنين به!!

في ظل هذه الدوامة والتغيرات المهم أن تحتفظ بنقاء مبادئك أنت وتظل أنت مثالا على فعل الصلاة التطهيري والإحيائي والبنائي في مقيميها.

المصدر: فلسطين الآن