الجمعة 20 أكتوبر 2017 01:29 م

الكآبة من منظور آخر

الثلاثاء 26 سبتمبر 2017 05:09 م بتوقيت القدس المحتلة

الكآبة من منظور آخر
أرسل إلى صديق

محمد الزريعي

يضيق بك العالم رغم اتساعه، لم تعد تتملكك الرغبة بأن تحيا هنا، كلما استيقظت من النوم تمنيت أن يغشاك الموت فتنام نومتك الأبدية، تنتابنك رغباتٌ جامحةٌ بأن تبقى وحيدًا، الوحدة التي يُنظر إليها على أنها أمرٌ سوداوي تؤدي لما يُسمونه بـ"الكآبة"، والتي يعتبرونها حالة نفسية مرضية قد تدفع بصاحبها في نهاية المطاف للانتحار. نعم.. تلك الحالة النَّفسية المرضية كانت تنتابك كل صباح، بل الأصح، كنت تتمتع بها كل صباح، وتستمر معك حتى تضع رأسك على الوسادة في المساء، وبين الصباح والمساء تقابل أناسًا، وتقرأ أخبارًا، وترى مشاهدًا تخنق في نفسك تلك الزهرة الوردية الجميلة؛ حتى ذبلت وصارت سوداء جافة، بت تخشى من التفاؤل، بل الأدق، تخشى من صدمة ما بعد التفاؤل، فتلجأ للتشاؤم تحوطًا.

ربما في عُرف النفسيين تصنف على أنك مريض، وربما هذا حكم كل الناس هنا أيضًا، و استشفوا حكمهم هذا بعد أن قرأوا أول سطور من كلامي عنك، ربما يجب عليك وعلى أمثالك -والحال كذلك- أن تخضعوا للعلاج، لكن يا صديقي أبشرك أن الأمر مختلفُ تمامًا، في الحقيقة.. أنت لست مريضًا بالقدر الذي تدفع الناس للمرض كمـا يفعلون هم، بل هم المرضى يا عزيزي. لماذا؟ لأنهم أفرغوك من إنسانيتك، وقتلوا كل إيجابي فيك، وخنقوا صوت الحب في قلبك.. ثم ماذا؟ ثم زجوك في سجن أحكامهم ومقاييسهم العقيمة، وأفقدوك احترامك لذاتك. استحقروك. ودعوك لاستحقار نفسك، وعندما اندفعت بحالتك الطبيعية للوحدة والكآبة والنفور نتيجةً لأفعالهم سموك مريضًا. كلا يا عزيزي. أن تختلف عنهم كثيرًا.. أنت إنسانيَّ.. وهم زمرة من الجشعين والمتلذذين بمعاناة الآخرين.

شكّك في إنسانية أولئك الذين لا يشعرون بالكآبة والعجز وهم يشاطرونك الحياة في هذا الواقع، يرون ما ترى، ويسمعون ما تسمع، دون أن يحرك هذا فيهم شعرة، شكك في مصداقيتهم

لنضع الأمور في نصابها الصحيح.. شعورك بالكآبة في هذا العالم ليس حالة نفسية مرضية، ربما تكون كذلك، وربما لا، مهما تكن فهي علامة على إنسانيتك، وولاء لإيمانك ومبادئك، وصدق مع نفسك وعقلك ومشاعرك، ودلالة على تفاعل طبيعي، يصدر من نفس بشرية طبيعية، حيال أحداث ووقائع غير طبيعية.

شكّك في إنسانية أولئك الذين لا يشعرون بالكآبة والعجز وهم يشاطرونك الحياة في هذا الواقع، يرون ما ترى، ويسمعون ما تسمع، دون أن يحرك هذا فيهم شعرة، شكك في مصداقيتهم مع الآخرين، بل ومع أنفسهم أيضًا، وكن متيقنًا كل اليقين أنهم يحلمون بين خلجات قلوبهم كمًّا هائلًا من الأكاذيب والادعاءات، وحوت نفوسهم شعورًا شاذًّا عن الإنسانية متمثلا في الجمود والبرود المقيت، ويغطي وجوههم أقنعة تستر ما تيقنت به، شيخ بلحية وثوب قصير، مثقف متحرر بشارب كثيف وشعر غير مسرح، برلماني سياسي ببدلة من أشهر الماركات وأحدثها، كلهم يا عزيزي يخفون خلف أقنعتهم ما تيقنت به، أنت أعلى منهم بحالتك تلك الإنسانية وليست المرضية.

كم من وجوه مبتسمة مرحة تخفي خلف بسمتها حزنًا وألما، وكم من وجوه صارمة متجهمة تخفي خلف صرامتها ضعفًا وعجزا، وكم من جوه مكتئبة مبتئسة تخفي خلف كآبتها إنسانية بيضاء صافية، غير مدعاة ولا مستوردة.

المصدر: الجزيرة نت