السبت 16 ديسمبر 2017 04:53 م

وجوه الآخرين مرآة تعكس صورتنا

الخميس 16 نوفمبر 2017 10:22 ص بتوقيت القدس المحتلة

وجوه الآخرين مرآة تعكس صورتنا
أرسل إلى صديق

مروان الجوبعي

على عجل خرجتُ من العمل لأقضي أمر مهم للغاية وفي الطريق السريع تجاوزتُ آخر يقود سيارته على مهل .. وبعد إن تعديتها بسرعة متهورة لمحت يده تتحرك وعملت نفسي “مش شايف حاجة” لم أعطيه أي اهتمام –متعمد طبعاً- ظننته أنزعج حين تجاوزته ويريد أن يعبر عن غضبه.

في بداية الأمر واصلت “التطنيش” تجنباً لأي صدام لفظي أو غيره قد يحدث وبما أنَّه بالإمكان تحاشيه فضلت ذلك عن المواجهة لكن انتبهت فيما بعد إنّ الرجل لحق بعدي بسرعة قصوى وبإصرار كبير “حجيبك يعني حجيبك” لا مفر وعليَّ أن أواجه إذن! .. قلت في نفسي “أكيد في حاجة حانب!” الرجل مصمم إنّ يقول شيئاً ربما تكون إساءة أو بصق وربما يصل الأمر إلى أبعد من ذلك! ليشفي غليله وهذا أسوأ الاحتمالات التي سيطرت عليَّ، هذا ما كنتُ أتوقع حدوثه، استشعرته من خلال السرعة التي أنطلق بها بعدي وحركة يده التي لم تتوقف .. قررت بعدها إنَّ لا فكاك من هذا الموقف وحضرت نفسي على الأقل لأكون في حالة دفاع.

وسوست مع نفسي “شيء لابدّ منّه مالك عذر منّه” واقتنعت تماماً إنّ الشر قادم والمواجهة لا بد منها –مع احتمال خسارتي فيها طبعاً- هدَّئت السرعة حتى أقترب منَّي شيئاً فشيئاً وأنا أقول”يوم الجن أيش يشتي هذا المصيبة!” شفت يده الضخمة بالمرآة تتحرك زادت من حدة الارتباك والتوتَّر لدي  “بُكس واحد كفيل بحسم المعركة لصالحه”  ولأنَّ غضبي من جهة وارتباكي من جهة أخرى قد ألغى العقل وشتت التفكير لم أفهم ما يقصده بحركة اليد التي لم تتوقف بضم البنان وفتحها.

لحظتها لا شيء أفكر فيه إلا بمواجهة مجهولة قادهة لا محالة، كنتُ قد تهيأت لها نفسياً مهما تكن العواقب!

كوَّنت للرجل صورة في خيالي .. صورة بملامح بشعة يتمترس خلفها حقد لا حدود له، لم يسبق أن وجدت ما يشبهها بإنسان آخر من قبل .. في المقابل حشدت كل طاقات الحقد والغضب بداخلي لمواجهة هذه البشاعة القادمة ولم أضع أيَّ احتمال آخر قد نصل إليه في النهاية، غير مواجهة الشر بالشر.

شرارة الصراع كانت قد اندلعت بداخلي قبل أن يصل الرجل نفسه قبل أن أعرف شيء عنه .. كنت أتصارع مع تلك الصورة ذات الملامح البشعة التي رسمها خيالي وأستدعي كل ما أملك من قوة وغضب وحقد وشرّ للقضاء عليها حتى نسيت إنني في موقف دفاع –حسب ما أقنعت نفسي- فتحوّلت إلى الهجوم بمبررات وأحكام مُسبقة دون أن أعرف الحقيقة وماذا يريد؟

لأرتطم بعد ذا بالحقيقة الصادمة التي قلبت الطاولة عليَّ .. عند وصول سيارته بموازاتي لمحتُ ابتسامته الودودة التي ذوبت كل شيء ونسفت أحكامي المغلوطة وحطمت الأوهام التي بنيتها بفهم خاطئ وتغيَّر كل شيء بأقل من جزء الثانية بعدها عاد إليّ التركيز وفهمتُ لغة الإشارة التي يلوح ليَّ فيها من البداية وعرفتُ مؤخراً أن الرجل لا يريد شيئاً منّي، فقط يريد أن ينبهني لأنوار السيارة التي نسيتها دون تشغيل.

لا يضمر ليَّ شر كما كنتُ أظن بل خيراً يااا لحماقتي!

بعدها تركت الرجل يتجاوزني –خجلاً- تأكدتُ تماماً إنَّ تلك الصور البشعة التي رسمتها في خيالي هي أنا لا علاقة له فيها!

ما أبشعنا حين نتسرع بالحكم على الآخرين دون أن نعرفهم دون أن نتأكد من الحقائق ..

المصدر: وكالات