السبت 16 ديسمبر 2017 06:46 م

سيرة البخيل "أبو مقص"

الإثنين 04 ديسمبر 2017 02:00 م بتوقيت القدس المحتلة

سيرة البخيل "أبو مقص"
أرسل إلى صديق

خطيب بدلة

حينما يجري الحديث، في مجلس ما، عن البخل، سرعان ما يفكر المستمعون بـ "بخلاء الجاحظ"، أو بمسرحية "البخيل" للمبدع الفرنسي موليير، أو يتذكرون البيتين الشعريين العجيبين اللذين أبدعهما ابنُ الرومي في وصف عيسى البخيل الذي كان يطمح لأن يقتر حتى في استهلاك (الهواء)، فيقول عنه:

يُقَتِّرُ عيسى على نفسه

وليس بباقٍ ولا خالـــــــــدِ

فلو يستطيع لتقتيــــــــــره

تَنَفَّسَ من مِنْخَرٍ واحدِ

كان عندنا في سورية إعلاميٌّ بخيل، وفي الوقت نفسه غريب الأطوار. فمع أن البخلاء لا يدخنون، ويقدمون النصائح للآخرين بأن التدخين مُضِرّ بالصحة وبـ(الجيب)، إلا أنه كان يدخن بشراهة، والذين يعرفونه عن قرب يؤكدون أنه قلما يُرى في وقت من الأوقات من دون سيجارة مشتعلة.

ولأن عقول البخلاء دائمةُ التفكير في أفضل طريقة لتلافي الصرف والتبذير، فقد شَغَّلَ بخيلُنا عقله، وتوصل إلى أن السؤال، وطلب المساعدة، و"الشحادة"، هي أشياء معيبة، ولكنْ، يُستثنى من ذلك طلب "السيجارة"! فهنالك عُرْفٌ بين المدخنين ينص على أنه لا غضاضة في أن تطلب سيجارة من غيرك إذا لم تكن لديك سجائر في لحظة ما.

ولكن صاحبنا البخيل كان يزعم أنه مفلس من السجائر في كل اللحظات، وكلما التقى بواحد من أصدقائه أو معارفه يتقدم منه بطريقة استعراضية ويقف أمامه، ويفتح له إصبعيه السبابة والوسطى ويقول له: (عَبّي لي هالمقص)، أي ضع لي سيجارة هنا بين إصبعيَّ، وبعد أن يذعن الآخر للطلب مُحْرَجاً، تبدأ عند البخيل معاناة من نوع آخر، إذا يبدأ التفكير بما ستصرفه ولاعتُه من غاز البوتان أثناء الإشعال، ولكنه تغلبَ على هذا المصروف الذي (ما له طعمة)، حينما اهتدى إلى فكرة مكملة للأولى، إذ صار يقول لمن يشحذ منه السيجارة عبارة (الخير بتمامه.. عَطيني ولعة).. أو أنه يأخذ السيجارة من صديق، ويشعلها من صديق آخر.

ومن عاداته الملحقة أنه كان لا يبقى دقيقة واحدة من دون علبة سجائر، ولكنه كان يخبئها إما في إحدى فردتي (الجوارب) أو في السروال الداخلي، فإذا ما صادف أن طلب منه أحد (تعبئة المقص) يحلف يميناً معظماً على أنه لا يمتلك علبة سجائر، وأحياناً يُخْرِج جيبيه إلى الخارج ليثبت للطالب صحة كلامه.

هذا الإعلامي كان ينافق لكل شخص له علاقة بنظام الأسد وبالمخابرات والقيادة القُطرية لحزب البعث والقصر الجمهوري، وكان يحاول أن يثبت لهم أنه إذا تسلم أي منصب فسوف يقول في الولاء للقائد الأسد ما لم يقله مالك في الخمر.. فلما واتاه الحظ وأصبح مديراً لإحدى المؤسسات الإعلامية أصبح لا يقبل إلا بنوعين من الرشاوى، الأولى نقدية ولكن بـ العملة الصعبة، لأن سعر الليرة السورية متقلب، والثانية كميات كبيرة من علب السجائر.

وقال الذين يعرفونه إنه كان يخبئ علب السجائر الكثيرة التي تأتيه مجاناً في الدروج وخلف المكتب، ويتقدم من كل زائر لمكتبه ويقول له:

عَبّي لي هالمقص..

ويضيف: الخير بتمامه.. عطيني ولعة!  

المصدر: فلسطين الآن