الخميس 26 أبريل 2018 08:39 ص

هل نرى قريبا حدائق للحيوانات المنقرضة؟

الثلاثاء 10 أبريل 2018 01:40 م بتوقيت القدس المحتلة

هل نرى قريبا حدائق للحيوانات المنقرضة؟
أرسل إلى صديق

لقد غدا استنساخ الحيوانات أكثر شيوعا حتى لم يعد مستبعدا أن يشهد المستقبل المنظور استنساخ حيوانات منقرضة، فهل يمكن قريبا زيارة حدائق تعج بكائنات عادت إلى الحياة بعد اندثارها؟

تخيل أن يتمتع زائر يوما برؤية فهد الثلوج بمحمية طبيعية، أو يتذوق أحد الذواقة لحم حيوان أم قرفة النادر دون خوف من انتهاك القانون، أو هب أن يجوب صياد بحثا عن وحيد القرن الأسود لا يخشى قتله، فتعويض الفاقد منه بات أمرا محتوما!

رغم أن البعض يقشعر بدنه لتصورات كتلك باعتبارها ملمح لمستقبل مظلم، يرى آخرون فيها آفاقا مثيرة. ومع الخطوات الحثيثة التي يخطوها العلم، ربما باتت تلك التصورات قاب قوسين أو أدنى، حتى أن باحثين غدوا يدرسون إمكانية إثراء السياحة عبر استنساخ الحيوانات بحلول عام 2070.

ربما كان الوصول إلى "حديقة للديناصورات" حسب تصور الخيال العلمي أمرا بعيد المنال، إذ أن إعادة تلك الزواحف المندثرة إلى الحياة ليس بالسهل، فالعلماء ليسوا على بينة بإمكان الحصول على عينات صالحة من الحمض النووي للديناصورات، والتقنيات المتاحة يمكنها الاحتفاظ بعينات صالحة تعود لنحو مليون عام فقط. وبالتالي، فعلى الأقل نظريا، يمكن استنساخ نموذج من "إنسان نياندرتال" ولا يمكن استنساخ الديناصورات من نوع ترايسيراتوبس التي يعود تاريخ آخرها قبل 65 مليون عام مضت.

أما مع حيوان الماموث ذي الشعر الكثيف، فالأمر أقرب إلى الحدوث، إذ لدينا عينات حمض نووي لذاك الكائن شبيه الفيل تجمدت شبه فوريا، ويمكن زرع مادتها الوراثية في الأفيال، القريبة وراثيا من الماموث - وإن كان لا يمكن إعادة الماموث إلى بيئة طبيعية كالتي جابها خلال العصر الجليدي للتكاثر طبيعيا.

لكن ربما استطاع العلماء بلوغ ذلك مع كائنات أخرى اندثرت بعد الماموث، من قبيل حمام الركاب. وليتسنى ذلك، يلزم تحديد الخريطة الوراثية (الجينوم) الكامل لهذا الطائر، ثم إدخال طفرة على جينوم للحمام الشائع بما يقارب الخريطة الوراثية للنوع المنقرض، حتى يستطيع الحمام المندثر أن يبسط جناحيه مجددا في سماء اليوم!

لقد خطى العلم خطوات واسعة منذ استنساخ النعجة دوللي عام 1996، حسبما تؤكد الباحثة شيوتشون (سيندي) تيان، المتخصصة بالتكنولوجيا الحيوية بجامعة كونتيكت، والتي تجري أبحاثا تتعلق بتنشيط الحمض النووي عبر الاستنساخ.

وبينما تجري محاولات مثيرة للجدل للحفاظ على وحيد القرن الأبيض المهدد، عبر زرع أجنة للحيوان برحم أنثى بديلة، يشير تقدير أنه ربما لم يبق سوى سنوات قلائل ونرى هجينا من الماموث والفيل. وتقدر تيان أنه حال توافر الإرادة السياسية والتمويل، فبالإمكان أن نشهد خلال عِقد حدائق حيوان تعج بأنواع نادرة، بل منقرضة.

لقد مضى البعض خطوات في هذا الطريق، ففي عام 2000، خططت حديقة حيوان سان دييغو لعرض ثور هندي مهدد سمته "نوحا"، لكن لم يقدر له البقاء على قيد الحياة، إذ مات بعد يومين جراء إصابته بالعدوى.

ولاحقا، استضافت الحديقة نوعا من الماشية البرية النادرة يعرف باسم "البانتينغ" وموطنه جنوب شرقي آسيا، واستقر المقام بأحدهم، ويدعى "جاهافا"، سبع سنوات حتى أصيب بكسر في ساقه، واضطر حراس الحديقة لقتله. وكان الباحثون قد استنسخوا "نوحا" و"جاهافا" مستعينين بخلايا مجمدة محفوظة بوحدة تابعة لحديقة سان دييغو، تضم عينات من أنسجة الجلد المجمدة لحيوانات مهددة.

ومعدل نفوق الحيوانات المستنسخة مرتفع مقارنة بالحيوانات الطبيعية، لأسباب مازالت مجهولة، وإن رُجح أن يعود ذلك لعيوب في إعادة البرمجة؛ إذ تحتفظ نواة خلية البويضة المتبرع بها بشيء من الذاكرة الوراثية، رافضة استبدالها بالمورث الجديد.

وتقول تيان إنه يتعين اجتياز الحيوانات المستنسخة عبر تلك العملية - المعتمدة على استبدال نواة بويضة بنواة خلية جسمية - "صدمتها الأولى بعد الولادة، بعدها تكون قد برهنت على صحتها العامة".

ولا يخلو استنساخ الحيوانات، التي يرجح نفوقها مبكرا ومعاناتها لاحقا، من اعتراضات مرجعها اعتبارات أخلاقية. لكن تنسحب ذات الاعتراضات على تربية الماشية عموما، بينما فرص نجاح الاستنساخ آخذة في الازدياد.

ففي عام 1996، استخدم العلماء 277 جنينا مستنسخا للحصول على نعجة واحدة حية هي النعجة دوللي. والآن، تقول تيان إنه بافتراض استنساخ الماشية "يمكن الحصول على ما بين عشرة وعشرين حيوانا يولد حيا من كل مئة جنين مستنسخ"، وهو ما تصفه بالتطور المذهل.

لكن تظل تكلفة الاستنساخ باهظة بسبب معدلات النفوق المرتفعة، ويقتصر حاليا استنساخ الماشية على الثيران الممتازة لإنتاج اللحم لنفع المزارعين الساعين لماشية توصف بالعالية الجودة. وتقدر تيان تكلفة استنساخ ذكر واحد من تلك الماشية بما لا يقل عن 15 ألف دولار. أما استنساخ حيوانات برية أو مهددة، فسيتكلف أكثر لنقص المعلومات عنها، ولندرة تلك الحيوانات المستخدمة في التجارب.

لذا، فعلميا يُحتمل جدا استنساخ حيوانات مهددة (وبدرجة أقل من أخرى انقرضت قبل زمن قريب)، لكن سيندر أن يصادف أغلبنا بشكل يومي هذه الحيوانات المهددة إن استُنسخت، إلا لمن وجد سبيلا للدخول إلى عالم سياحة الأثرياء.

واليوم، تطالعنا آلاف الصور لزوار في أماكن نائية من كوكبنا، ويقول دانيال رايت، المحاضر في الإدارة السياحية بجامعة سنترال لانكشاير، وصاحب دراسة حول الاستنساخ والسياحة، إن المستقبل سيحمل مزيدا من هذا التوجه.

فعشاق السفر والترحال سيكونون مستعدين لدفع أي ثمن مقابل صيد حيوانات مستنسخة في جنوب أفريقيا، أو تذوق أخرى مستنسخة في اليابان، أو الاستمتاع برؤية المهدد منها خلال رحلات برية بالولايات المتحدة وقد عاد إلى الحياة بعد استنساخه.

ويسعى المستكشفون لتناول وجبة من سمك الفوغو في اليابان، والمعروف بندرة أنواع منه جراء الصيد الجائر، ولا يثنيهم عن ذلك السم الذي تحويه أجساده التي تشبه المنطاد! وفي ناميبيا، تمنح الحكومة عددا من التراخيص سنويا لمن يدفع أكثر لصيد وحيد القرن الأسود النادر، وترد على المعترضين بضرورة الأموال التي يدرها ذلك لمواصلة حماية الحياة البرية وباستثناء الصيد المقنن لتلك الحيوانات خلال فترة تكاثرها.

وطبعا تعرض حدائق الحيوان والحدائق المفتوحة في أنحاء العالم حيوانات نادرة، ويشترك الكثير منها في برامج حماية حفاظا على الأنواع المهددة من الانقراض، ومنعا لتوالد أنواع ضعيفة تكاثرت فيما بينها لندرة عددها، ومثال ذلك حيوان "ابن مقرض" ذي القدم الأسود.

وبالتالي، يمكن القول إن تطبيق تقنيات استنساخية مكلفة لأغراض سياحية لا يختلف كثيرا من الناحية الأخلاقية. فإذا كان من الخطأ تشجيع حديقة حيوان على أن تولّد أنواعا رهن بيئة محددة لتمضي حياتها في الأسر، فالاستنساخ لا يختلف كثيرا.

وكثيرا ما تشغل تلك القضايا بال كاري فريز، عالمة الاجتماع بكلية لندن للاقتصاد، ومؤلفة كتاب "استنساخ الحياة البرية". وتتوقع فريز أنه بينما تعد الحيوانات بالحدائق التقليدية الجاذب الرئيسي للزوار اليوم، فستكون تقنية الاستنساخ بحدائق المستقبل ذات الحيوانات المستنسخة مقصدا للزيارة.

وتتخيل أن حديقة تتخصص في إحياء الأنواع المنقرضة، ستبرز ما تفتق عنه ذهن الإنسان من إبداع، وليس فقط الحيوانات التي عادت للظهور بعد اندثار، مضيفة: "سيفد الناس للاطلاع على الكيفية التي أمكن بها إعادة حمام الركاب إلى الحياة، فضلا عن التمتع برؤية الطائر العائد نفسه".

وتتوقع فريز تيان أيضا ازدهارا لتلك التقنيات، فثمة استطلاعات تعكس دعما أكبر من الأمريكيين لتقنيات الاستنساخ للحفاظ على الحياة البرية أكثر من أي أغراض أخرى.

ولا تستبعد الباحثتان استنساخ حيوانات مهددة بغرض استهلاكها غذائيا، فقد أظهر بحث أجرته تيان سلامة لحوم وألبان الماشية المستنسخة، وصعوبة تمييزها عن المنتجات الحيوانية التقليدية، وتستشهد بلذة طعم لحم ثور أسود مستنسخ ذاقته في اليابان، وبالإقبال عليه.

ومع ذلك، فاستنساخ الحيوانات لا يجري حاليا لأغراض تتعلق بالأساس بالاستهلاك الغذائي، كما أن البعض لا يطمئن لتناول طعام مستنسخ.

والخلاصة، لن تكون سياحة الحيوانات المستنسخة - إن تحققت مستقبلا - على شاكلة "حديقة الديناصورات". كما لا تغفل فريز ما تثيره ممارسات الاستنساخ من أسئلة صعبة تتعلق بالأصالة والأخلاق: فهل إن استُنسخ ماعز البرانس مثلا بدمج حمضه النووي بآخر يعود لماعز مستأنس، يكون الناتج نوعا أصليا؟

وهل الحيوان المستنسخ من عينة حيوان بري يكون حيوانا بريا؟ ولو عجت المتنزهات بالحيوانات المستنسخة، فهل ينعكس ذلك ضررا على البلدان الفقيرة المعتمدة حاليا على السياحة البرية؟

لا يحمل المستقبل إجابات شافية لتلك الأسئلة، غير أن أمرا ليس محل خلاف وهو أن التقنيات الحيوية الحديثة، رغم تكلفتها المرتفعة، وما يثار حولها من أسئلة، لا ينبغي أن تحل محل الجهود البيئية وأساليب الحماية البرية الموثوقة.

ويظل الإنسان، حسبما يقول رايت، مطالبا "بمواصلة الجهود البيئية وضمان عدم تعرض الأنواع الحية للانقراض من الأساس".

المصدر: وكالات