الإثنين 16 يوليو 2018 05:12 م

هل نعيش قريبا في مستعمرات بشرية في الفضاء؟

الأربعاء 20 يونيو 2018 03:00 م بتوقيت القدس المحتلة

هل نعيش قريبا في مستعمرات بشرية في الفضاء؟
أرسل إلى صديق

هناك حزام من الكويكبات حول الشمس يعد ثريا بالمعادن الثمينة، ويجري التخطيط فعلا لعمليات تعدين فوق تلك الكويكبات السابحة في الفضاء، ولكن هل يأتي اليوم الذي يبني الإنسان فيه مستعمرة فوق أحد تلك الكويكبات؟

تجري سلسلة حلقات الخيال العلمي بعنوان "إكسبانس" بعد 200 عام في المستقبل، حين يكون البشر قد شيدوا مستعمرات على القمر والمريخ، وبدأوا بمد تلك المستعمرات إلى حزام الكويكبات.

لكن في الواقع، هناك أسباب وجيهة تحدو بالإنسان للتفكير في استعمار حزام الكويكبات بالفعل، أولها التعدين. فخلافا للأرض، حيث المعادن الثمينة غالبا ما تكون مدفونة في باطن الأرض، تكثر المعادن الثمينة من قبيل الذهب والبلاديوم بوفرة على سطح تلك الكويكبات، والتي يمكن أيضا استغلالها كمحطات متقدمة للبحث العلمي.

ويدور حزام الكويكبات حول الشمس بين كوكبي المريخ والمشتري، ويعتقد أنه ما تبقى من كوكب كامل كان ضمن المجموعة الشمسية. وأغلب الكويكبات المعروفة تقع ضمن هذا الحزام، غير أن هناك كويكبات في أنحاء أخرى من المجموعة الشمسية وتتشكل إما من مواد صخرية أو كربونية أو معادن، وتتراوح أحجامها بين مئات الأمتار وحجم منزل صغير.

وثمة شركات مثل "بلانيتري ريسورسيز" و"ديب سبيس إنداستريز" بدأت بالفعل الاستثمار في تعدين الكويكبات وربما تبدأ في استخراج الخام منها بحلول عام 2025، غير أن تشييد مستعمرة بأحد تلك الكويكبات أمر أعقد بكثير من مجرد استخراج المعادن منها.

ومن بين التحديات الرئيسية كم الإشعاع الذي ستتعرض له تلك المستعمرات، منها الأشعة الشمسية وأشعة حزام المشتري وأشعة كونية أخرى.

يشرح مارتن إلفيس الباحث بمركز هارفارد-سميثسونيان لفيزياء الكواكب قائلا: "إن الأشعة الكونية عبارة عن جزيئات عالية الطاقة تتكون غالبا من بروتونات أو نوى ذرات عالية الطاقة. تلك الطاقة تخترق الجسم البشري محدثة أضرارا بالغة".

وبينما يمتص الغلاف الجوي للأرض الأشعة الأخطر، فسوف يلزم توفير حماية مماثلة لأي مستعمرة فضائية "من قبيل طبقة سميكة من المياه أو الثلوج يناهز سمكها عدة أمتار".

وهناك خطر التعرض لانعدام الجاذبية أو على الأقل تدنيها، إذ تقول كاتي ماك الأستاذة المساعدة بجامعة ولاية كارولينا الشمالية وعالمة فيزياء الكواكب إنه "يتعين على الرواد على متن المحطة الفضائية الدولية التمرن ساعتين يوميا على معدات رفع الأثقال ورغم ذلك يصابون بمشكلات صحية جراء العيش في بيئة منعدمة الجاذبية لأمد طويل".

ومن ثم سيلزم اصطناع جاذبية ما - كأن يجري لف المستعمرة حول نفسها باستمرار - حتى يتسنى للبشر العيش على سطح كويكب لوقت طويل.

كما سيلزم توليد الطاقة، فبينما تعتمد الأقمار الصناعية ومسابير الفضاء في أغلبها على الطاقة الشمسية، فقد لا تكفي الطاقة الشمسية لتشغيل مستعمرة كويكب، إذ يقول رائد الفضاء السابق ومؤلف الخيال العلمي أليستر رينولز: "كلما بعدنا عن الشمس قلت الطاقة الشمسية المتوافرة بمُعامِل التربيع العكسي بمعنى أنه إذا زاد البعد عن الشمس بمقدار الضعف تدنت الطاقة الشمسية الممتصة على لوح شمسي إلى الربع".

ويتابع: "وبتجاوز مدار المريخ ووصولا إلى المشتري وزحل سيلزم بسط مساحات ضخمة لالتقاط ما يكفي من أشعة الشمس، ومع ذلك لا أرى في ذلك عقبة لا يمكن تجاوزها".

وستوفر الكويكبات ذات المواد الكربونية بيئة أفضل لاستيطان البشر، إذ تحوي عادة ماء بنسبة 10 في المئة. ويقول إلفيس: "تتوافر المياه بسهولة في الفضاء، إذ أن مركب الماء يتكون من العناصر الأوفر كونيا، ويمكن فصل الماء لعنصريه الأوكسجين والنيتروجين ما يتيح للبشر تنفس الأكسجين".

وسيلزم أن يكون الكويكب الذي يقع عليه الاختيار للاستيطان بسمك لا يقل عن مئة متر ليوفر حماية كافية من الإشعاع.

ويمكن أن تبنى المستوطنات تحت سطح الكويكب ما يوفر حماية من الإشعاع، غير أن عمليات الحفر، ومن ثم التعدين، في الكويكبات أصعب من المتصور، ويشرح رينولز قائلا: "الكثير من الكويكبات ليست صخورا صلبة بل عبارة عن ركام مفتت غير متماسك تجمع معا بفعل الجاذبية المتولدة بينه".

وبسبب هذا التفتت قد تتبعثر جزيئات الكويكب مع أي محاولة للفه حول نفسه لاصطناع جاذبية، ومن ثم سيلزم أولا إيجاد آلية لزيادة تماسك الكويكب، تقول كاتي ماك: "سيتعين تفريغه دون الإخلال بهيكله الأساسي ومن ثم تدويره مع ضمان ألا تأتي حركة الدوران على ما تبقى منه هيكليا".

ويُقترح لذلك بسط شبكة معدنية أو ما يشبه القفص لإحاطة الكويكب للحيلولة دون تبعثره، وهو الأمر الذي ليس بالصعوبة التي يبدو عليها، فحزام الكويكبات يحوي من الكويكبات المعدنية الكثير ما يمكن الاستفادة به لصنع تلك الهياكل.

وتتشابه التحديات التي تواجه بناء مستوطنات بالكويكبات بتلك المتعلقة بتأسيس القاعدة القمرية المقترحة. وبخلاف الجاذبية، فالاختلاف الرئيسي الآخر الوحيد هو المسافة، فالقمر، كما المحطة الفضائية الدولية، قريبان من الأرض إذ لا يبعد القمر أكثر من 225 ألفا و623 ميلا (361 ألف كيلومتر) عن الأرض عند أقرب نقاطه، بينما المحطة الدولية تدور داخل الغلاف الجوي للأرض. أما حزام الكويكبات فيبعد نحو 160 مليون ميل (256 مليون كيلومتر) عنا.

وسيلزم أن تكون أي مستوطنة بتلك الكويكبات مكتفية ذاتيا، إذ سيعز توافر الإمدادات من الأرض، ويقول إلفيس إن الوصول إليها "سيستغرق شهورا عديدة ومثلها أثناء العودة، وبالتالي لن يمكن إسعاف المستعمرة إذا وقع طارئ إلا ذاتيا، وسيلزم توافر عدد كبير من الأيدي العاملة ولن ينفع الخيال العلمي في استنساخ البشر، ومجرد البعث برسالة للأرض قد يستغرق ساعة".

ويبدو تشييد مستعمرة فوق أحد الكويكبات أمرا جائزا من الناحية الفنية، وإن انطوى على تحديات هندسية جمة. والأرجح تعدين الكويكبات من عن بعد عبر أنظمة آلية ومركبات مسيرة يمكن دعمها عبر قاعدة تؤسس على سطح المريخ ويتم من خلالها تنسيق عمليات التعدين فوق الكويكبات.

وتقول كاتي ماك إن المريخ والقمر "بيئتان أنسب من حيث الجاذبية والوقاية من الإشعاع عبر استخدام أنفاق قائمة بالفعل"، كما تتوافر بضعة أقمار صناعية يمكن استخدامها للاتصال، في الوقت الذي تتم فيه دراسة البيئتين بدقة.

وهناك كويكبات تدور حول الشمس قربا وبعدا، ما يجعلها تقترب أكثر من الأرض والمريخ، عندها يمكن استخدامها كمركبات بعد تفريغها من الداخل بحيث تقي الرواد من الإشعاع وتوفر الحاجة للوقود.

يقول إلفيس إن العلماء حددوا أكثر من عشرة كويكبات يسهل تعديل مسارها باستخدام تقنيات يتوقع الوصول إليها بعد سنوات قلائل.

وثمة مقترح لبناء مرفأ فضائي بأحد أقمار المريخ، ويدعى "فوبوس"، ويعتقد البعض أن فوبوس كان يوما كويكبا. ويمكن استخدام المرفأ كنقطة انطلاق لاستيطان المريخ لاحقا.

ومازالت الكواكب هي الخيار الأفضل لتأسيس قواعد يسكنها البشر لما تتمتع به من جاذبية وحماية توفرها أجواؤها، ومع ذلك يبقى من الممكن نظريا استيطان الكويكبات رغم صعوبة الحياة فوقها، ما سيحتم أن تكون فائدتها أكثر كثيرا مما تنطوي عليه من مصاعب.

المصدر: وكالات